محمد غازي عرابي

897

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

منامهم صور الأحلام ، وقال الإمام جعفر الصادق : إن اللّه تجلى لعباده في المنام ولكنهم لا يعبرون ، فالموحدون وحدهم هم الذين علموا تعبير الأحلام وتأويل الأحاديث ، ففازوا بالكنوز التي ذكرها ، ولهذا وصفت المعقولات بأنها قاصرات الطرف ، أي أنها حبست العين على الأزواج الذين خصوا بهذه الهبات . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 55 إلى 63 ] هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ ( 56 ) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ( 57 ) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ ( 58 ) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ ( 59 ) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ ( 60 ) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ( 61 ) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ ( 62 ) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ( 63 ) [ ص : 55 ، 63 ] جهنم قسمان معجلة ومؤجلة ، ولقد اطلع النبي في النار فرأى أكثر أهلها من النساء ، وليس للطاغين في جهنم المعجلة غير الفكر ملجأ ومأوى ، ومع هذا فأي شر أعظم من شر الفكر إذا طغى ؟ إنه يمكر بصاحبه ، ويستدرجه من حيث يعلم ولا يعلم ، وما يزال به قائما وقاعدا وعلى جنبه لا يريحه لحظة ، والمفكر يحسب أن فكره فكره ، وأنه هو الذي يفكر ، في حين أن الحقيقة هي العكس ، فالفكر اتخذ الإنسان مطية ، وأين كان في وسع الفكر أن يفكر لولا أنه فكر في الإنسان وبالإنسان ؟ ومعلوم أن الحيوان لا يفكر ومن قبله النبات ، والغريزة وحدها هي التي تقود الحيوان ، وما بقي إلا هذا الحيوان الناطق يفكر ، ولقد قال سبحانه في من طغاهم الفكر إنه فكر وقدر ، فقتل كيف قدر ، ثم قتل كيف قدر ، وقلنا من قبل فليحاول الإنسان أن يتخلص من فكره ، أو أن يحد من نشاطه أو أن يعطله ، وسيكتشف عندئذ عجزه عن ذلك ، فالفكر سيولة وإشعاع اتخذ الدماغ وسيلة لممارسة نشاطه نفسه ، فمن كتبت له النجاة تخلص من أسر الفكر وفخه ونجا ، ثم امتطى هو فكره ، وهذا ما يحاول فعله ممارسو التأمل في بعض الأديان كالبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية . ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ساعة تفكر خير من سنة عبادة ) ، وقال سبحانه : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] ، فهذا ضرب من التفكير راق ، هدفه تسخير الدماغ لصالح الإنسان ، لا تسخير الإنسان لصالح الأنانية والشهوات والتفكير المادي الطاغي الذي يضل صاحبه ويذهب به كل مذهب . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 64 إلى 65 ] إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( 64 ) قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 65 ) [ ص : 64 ، 65 ] ليس في عالم الأفكار الطاغية إلا التخاصم ، ويبدأ الخصام بين شطري النفس ذاتها ، وهذا